أعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (المملكة المتحدة)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستخدام الشخصي، ولكن يجب الحصول على إذن لأي إعادة نشر أخرى.
لماذا المعمودية مهمة حقاً؟
ما الذي يجب أن نفعله لكي نخلص؟
• «مولود من الماء»
• ماذا فعل الرسل؟
• كرنيليوس
• كيف يمكن أن نخلص؟
• موت يسوع
• شروط الله
• التوبة والرجوع
• مدفونون... ومقامون
• حياة جديدة
• معمودية الأطفال غير كتابية
• ترددات
• وصية الله
• الامتياز
لا شك أن كثيرين اليوم قد يقولون: «لماذا تهتمون بالمعمودية؟ أليست مجرد طقس؟ بضع قطرات من الماء المقدس يرشها رجل دين على رأس طفل في الكنيسة، أو مجرد استحمام في الماء؟ أي فرق حقيقي يمكن أن تصنعه؟ أنتم تضيعون وقتكم».
الجواب المختصر هو أن العهد الجديد يقول الكثير عن المعمودية، على لسان يسوع نفسه وكذلك بواسطة رسله. والحقيقة الواضحة هي أن الكتاب المقدس هو المصدر الذي لدينا لمعرفة من كان يسوع، وماذا علّم، وما الذي أمر أتباعه أن يفعلوه. فإذا أردنا الأجوبة وجب أن نرجع إلى الكتاب المقدس. أما الرجوع إلى غيره فهو اعتماد على آراء البشر، سواء كانوا أفراداً أو هيئات أو مجالس كنسية. لذلك لا بد أن يكون لما يقوله الكتاب المقدس عن المعمودية أهمية حيوية لنا. فإذا أعلن المسيح ورسله المختارون أموراً معينة بشأن المعمودية، فينبغي أن نرغب في معرفتها.
إذن السؤال المهم حقاً هو: ماذا أمر يسوع وعلّم، وماذا فعل رسله نتيجة لذلك؟
«مولود من الماء»
قال يسوع لنيقوديموس، رئيس اليهود الذي جاء إليه ليلاً: «إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله». ولما أخذ نيقوديموس الكلام بالمعنى الحرفي، أوضح يسوع أكثر: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يوحنا 3:3، 5). ولماذا يقول: «إن كان أحد لا يولد من الماء» إن لم تكن هذه إشارة واضحة إلى المعمودية؟ كان يوحنا المعمدان يكرز بالتوبة ويعمد كثيرين في نهر الأردن. ويسوع نفسه اعتمد من يوحنا قائلاً: «اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر» (متى 3:15). فلا مجال للشك في أن قول يسوع «إن كان أحد لا يولد من الماء» يعني أن الرجل أو المرأة، لكي يدخل ملكوت الله، ينبغي أن يعتمد.
ويؤكد ذلك الأمر الواضح جداً الذي أعطاه يسوع لتلاميذه قبيل صعوده إلى السماء:
«فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به» (متى 28:19-20).
كانت مهمة الرسل بعد صعود يسوع مهمة تعليمية، وكانت المعمودية جزءاً صريحاً منها.
ماذا فعل الرسل؟
لكن كيف فهم الرسل هذه التعليمات وطبقوها؟ يقدم سفر أعمال الرسل سجلاً مفصلاً لنشاطهم، وهو ذو قيمة عظيمة. لننظر باختصار إلى بعض الأمثلة:
أعمال 2:36-38. أخبر بطرس سامعيه في أورشليم أنهم صلبوا يسوع الذي جعله الله «رباً ومسيحاً». فنخست ضمائرهم وصرخوا: «ماذا نصنع؟» وكان جواب بطرس صريحاً:
«توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا» (أعمال 2:38).
أعمال 2:41. يخبرنا السفر كيف استجابوا: «فقبلوا كلامه بفرح واعتمدوا».
أعمال 8:12. كرز فيلبس بالإنجيل في السامرة: «ولما صدقوا فيلبس وهو يبشر بالأمور المختصة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح، اعتمدوا رجالاً ونساء».
أعمال 8:36-39. بعد أن شرح فيلبس للخصي الحبشي كيف تمت النبوات في يسوع، سأل الرجل سؤالاً ذا دلالة: «هوذا ماء. ماذا يمنع أن أعتمد؟» ثم «نزلا كلاهما إلى الماء، فيلبس والخصي، فعمده». لا بد أن فيلبس كان قد شرح له معنى المعمودية وضرورتها، وإلا لما طرح السؤال أصلاً.
أعمال 9:18. شاول الطرسوسي، الذي أصيب بالعمى حين ظهر له يسوع المقام في طريق دمشق، زاره تلميذ أمين اسمه حنانيا. وبعد أن سمع شاول كلام حنانيا «للوقت وقع من عينيه شيء كأنه قشور، فأبصر في الحال، وقام واعتمد».
أعمال 16:14-15. ليدية، وهي «متعبدة لله»، أصغت إلى كرازة بولس، فـ«اعتمدت هي وأهل بيتها».
أعمال 16:30-33. سأل سجان فيلبي، بعد أن كان قد سمع شيئاً من رسالة بولس في المدينة: «يا سيدي، ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟» فكلمه بولس وسيلا «بكلمة الرب»، وكانت النتيجة أنه «اعتمد في الحال هو والذين له أجمعون».
أعمال 19:1-5. وجد بولس في أفسس بعض المؤمنين الذين عرفوا فقط «معمودية يوحنا». فشرح لهم: «إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع». فلما سمعوا «اعتمدوا باسم الرب يسوع».
كرنيليوس
احتفظنا بحالة كرنيليوس (أعمال 10) إلى نهاية هذه القائمة لأنها تتضمن جوانب مدهشة وذات أهمية خاصة لنا اليوم. كان كرنيليوس جندياً رومانياً عرف إله إسرائيل وصار يعبده. وكان «رجلاً تقياً وخائف الله مع جميع بيته، يصنع حسنات كثيرة للشعب، ويصلي إلى الله في كل حين» (أعمال 10:2).
يا له من رجل جدير بالاحترام! عابد لله، صاحب أعمال صالحة ورجل صلاة. أليس هذا كافياً؟ يوضح السجل أنه كان لا يزال محتاجاً إلى شيء. أُمر الرسول بطرس أن يزوره ويعلن له «كلاماً به تخلص أنت وكل بيتك» (أعمال 11:14). وشرح له عمل الله في المسيح قائلاً: «له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا» (أعمال 10:43).
وكان بطرس متردداً في الذهاب، وكذلك رفاقه اليهود، لأن لديهم تحيزاً ضد قبول الأمم في جماعة المؤمنين. وقد عالج الله هذا التحيز أولاً برؤيا أعطاها لبطرس (أعمال 10:9-16) تعلمه ألا يحسب نجساً «ما طهره الله». وعندما آمن كرنيليوس بالكلمة التي كرز بها بطرس، أعطى الله علامة أخرى لإقناع اليهود: «حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة» (ع 44)، فتعجب اليهود الحاضرون. وكانت هذه عطية خاصة لتثبت لهم أن الله يريد قبول الأمم في الإيمان. وكان رد بطرس بالغ الدلالة:
«أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء...؟ وأمر أن يعتمدوا باسم الرب» (أعمال 10:47-48).
لاحظ هذه الحقيقة اللافتة: مع أن كرنيليوس وأهل بيته كانوا قد نالوا لتوهم عطية الروح القدس، فإن بطرس مع ذلك «أمر» أن يعتمدوا. هل يمكن أن يوجد دليل أوضح على ضرورة المعمودية؟
إذن يتضح أن المعمودية ليست مجرد غسل للجسد، بل خطوة ذات معنى في طريق الخلاص.
كيف يمكن أن نخلص؟
قد تبدو المشكلة للوهلة الأولى مستحيلة الحل. فالعقبة الكبرى هي فشل الرجال والنساء المتكرر في أن يعيشوا الحياة التي قصدها الله لهم. ويسمي الكتاب المقدس هذا الفشل «خطية». لا ينبغي أن نتجنب الكلمة لمجرد أنها غير محبوبة أو لأننا لا نرتاح إليها. الله نفسه يستخدمها عند الحديث عن إخفاقات البشر. في العهد القديم استعملها أنبياؤه عن تعديات إسرائيل، وفي العهد الجديد استخدمها يسوع ورسله. وحقيقة خطية الإنسان واضحة جداً في الرسالة التي تركها الله لنا بحيث لا نستطيع تجاهلها والقول إنها لا تهم. ولا شك أن الله يعاملها بجدية شديدة.
ومع ذلك فقد أعد الله طريقاً تُزال به العقبة العظمى أمام خلاص الرجال والنساء، أي خطاياهم، بالنسبة للذين يسمعون كلمته ويطيعونها. بدأ ذلك بأن جعل ابنه يسوع يولد من مريم، وهي شابة يهودية من الناصرة، بقوة روحه القدس. ويذكر إنجيل لوقا الحقيقة بوضوح:
«الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لوقا 1:35).
أما الغاية الحقيقية من عمل الله في أن يولد ابنه بهذه الطريقة من أم بشرية فتظهر في كلام الملاك ليوسف:
«وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم» (متى 1:21).
موت يسوع
كيف يكون هذا وسيلة «للخلاص من الخطية»؟ الجواب الرائع عن هذا السؤال الحيوي يكمن في حياة يسوع وشخصيته، وأخيراً في موته على الصليب. انظر إلى حياته. يتضح من سجلات العهد الجديد أن طبيعة يسوع كانت مثل طبيعتنا. كان بالضرورة يشترك في الطبيعة البشرية التي لأمه، أي «اللحم والدم»، كما تقول الرسالة إلى العبرانيين (عبرانيين 2:14). وهذا يعني أنه شارك اختبارنا في جميع جوانبه. وهذا هو ما تؤكده الرسالة نفسها:
«لأنه في ما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين... مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية» (عبرانيين 2:18؛ 4:15).
بعبارة واضحة، اختبر يسوع الرغبات المرتبطة بالطبيعة البشرية. تعرض للضغط لكي يرضي نفسه، ويطلب راحته، ويشبع حاجاته الجسدية، ويصون كبرياءه، ويسعى إلى الغنى والقوة. لكنه، خلافاً لكل رجل وامرأة آخرين عاشوا، لم يستسلم لهذه الرغبات الطبيعية. رفضها وحافظ على طاعته الأمينة لله.
ولهذا أهمية عظيمة. فلأول مرة في التاريخ غلب إنسان الخطية. هُزمت الخطية في المجال الذي تسود فيه عادة، أي الطبيعة البشرية. وما عجز الرجال والنساء عن فعله لأنفسهم حققه المسيح.
ولأنه كان «بلا خطية» ومع ذلك عضواً حقيقياً في الجنس البشري، استطاع يسوع أن يقدم نفسه بوصفه «حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا 1:29). أي أنه قدم نفسه طوعاً لموت الصليب ذبيحة عن الخطية. وبصفته ممثلاً للبشرية أيد حكم الله البار و«دان الخطية». بل دانها في الطبيعة التي استسلمت لها في كل حالة أخرى، أي «في الجسد»، وبذلك جعل حياته «ذبيحة للخطية» (رومية 8:3). ولأن يسوع نفسه لم يخطئ استطاع الله، بالبر نفسه، أن يقيمه من الأموات إلى حياة جديدة من عدم الموت والقوة.
لكن كيف يساعدنا هذا؟ نحن لا نعيش حياة كاملة ولا نستطيع أن نتوقع الكمال ما دمنا في هذه الأجساد البشرية التي تحمل ميول الخطية.
شروط الله
لا يكمن الجواب في عمل سحري. لن «يغيرنا» الله تلقائياً لمجرد أننا نقول إننا نؤمن بابنه، ولا هو يتظاهر بطريقة غامضة أننا لم نخطئ بسبب ذبيحة ابنه. إنما يكمن الجواب في رحمته ونعمته حين يغفر الخطايا، ولكن وفق شروط معينة.
الشرط الأساسي هو أن الرجال والنساء الذين يأتون إليه من خلال يسوع يعترفون بالحقيقة عن أنفسهم، ويرون في موت يسوع على الصليب الكفارة الضرورية عن الخطية. ثم يعزمون أن يعيشوا حياتهم لا بحسب مطالب طبيعتهم لإرضاء الذات، بل بحسب روح يسوع في «النعمة والحق».
عندئذ يمحو الله التهم التي علينا ويقبلنا في علاقة مستقيمة معه. وعندئذ فقط يستطيع أن يعاملنا بوصفنا «بنين وبنات» له، أفراداً في عائلته التي رأسها يسوع، ابنه الوحيد.
التوبة والرجوع
أصبحنا الآن أقدر على فهم اصطلاحين كتابيين وردا في نداء الرسول بطرس إلى أهل أورشليم بعد صعود يسوع إلى السماء بقليل:
«فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم» (أعمال 3:19).
من المؤسف أن كلمتي «التوبة» و«الرجوع» أسيء استعمالهما كثيراً في الأزمنة الحديثة. التوبة الحقيقية تعني «تغيير الفكر»، أي تغيير الفهم. وإذا سألنا: تغيير الفكر بشأن ماذا؟ يتضح الجواب مما رأيناه: تغيير فكرتنا عن أنفسنا، وإدراك فشلنا في أن نعيش وفق المعيار الذي قصده الله، أي إدراك أننا خطاة بحسب لغة الكتاب المقدس. ثم يأتي الأمر «ارجعوا»، وهي كلمة تعني في أصلها أن يستدير الإنسان ويسلك في الاتجاه المقابل. هذه هي النتيجة العملية للتوبة الحقيقية: أن ندرك حاجتنا إلى إعادة توجيه حياتنا بحيث تصير أكثر انسجاماً مع إرادة الله ووصايا المسيح.
لكن بطرس ذهب خطوة أبعد في رسالته إلى أهل أورشليم:
«توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا» (أعمال 2:38).
ويتضح أكثر لماذا أضاف بطرس الأمر بالمعمودية عندما نعلم أن المعمودية في أيام يسوع والرسل كانت تغطيساً كاملاً في الماء. ويشرح الرسول بولس معناها الحقيقي في رسالته إلى أهل رومية:
«أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدُفنا معه بالمعمودية للموت...» (رومية 6:3-4).
وكما كتب إلى أهل كولوسي: «مدفونين معه في المعمودية» (كولوسي 2:12).
ولكن ألا يُدفن الموتى فقط، لا الأحياء؟ بالضبط. وهذا هو ما يوضحه بولس. فهو يذكر مؤمني كولوسي بحالتهم الطبيعية قبل طاعتهم للإنجيل: «وإذ كنتم أمواتاً في الخطايا وغلف جسدكم...» (كولوسي 2:13).
مدفونون... ومقامون
المعنى واضح. كانوا في نظر الله كالأموات لأن رغبات الجسد الطبيعية كانت بلا ضبط. كانوا «بلا رجاء» ولا أمامهم إلا الموت. وكان ينبغي أن يعترفوا بهذه الحقيقة عن أنفسهم وأن ينزلوا إلى ماء المعمودية كما إلى موتهم، معترفين بأن حكم الله على الخطية عادل. ثم بالطبع يقومون من الماء بقصد جديد للحياة:
«حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة» (رومية 6:4).
وكما أضاف لأهل كولوسي: «مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه» (كولوسي 2:12).
الموازاة واضحة. كما قام يسوع من الأموات إلى نوع جديد من الحياة، أي طبيعة غير مائتة، يقوم المؤمن من ماء المعمودية إلى حياة جديدة. وما تزال طبيعته الجسدية هي نفسها، لكن نظرته تغيرت. صار يعرف أن الحياة لمجرد إشباع الرغبات الطبيعية تنتهي بالموت الأبدي، وصار له هدف جديد: إرادة الله ووصايا المسيح.
وهذا هو معنى قول يسوع لنيقوديموس: «ينبغي أن تولدوا من فوق» (يوحنا 3:7). ويبين بولس ما يعنيه هذا عملياً:
«إذاً لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته... فإن الخطية لن تسودكم» (رومية 6:12، 14).
أي لا تسمحوا لرغباتكم الطبيعية أن تسيطر عليكم فتحولكم إلى عبيد لها. بل يقول: «قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات» (رومية 6:13).
إذن المؤمن الصادق قد غيّر سيده لأنه غيّر فكره، وهذه هي التوبة بحسب المعنى الكتابي. وله حياة جديدة لأنه صار ذا نظرة جديدة. وهكذا «يولد من جديد». ويعرض الرسول الأمر كأن الإنسان صار شخصاً آخر:
«اخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق... وتتجددوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد» (أفسس 4:22-24).
«وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء في ما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام... إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة» (2 كورنثوس 5:15، 17).
حياة جديدة
إذن المعمودية، كما يقدمها الكتاب المقدس، حدث بالغ المعنى. بها يعترف المؤمن أنه محتاج إلى الخلاص من الموت، وفي الوقت نفسه يعلن رغبته في أن يحيا بروح المسيح. يبدأ طريقاً جديداً في الحياة، مؤمناً بأن الله سيقبله واحداً من أولاده.
وكل هذا لا يستطيع طفل عمره أياماً قليلة أن يفعله. فهو عاجز تماماً عن الفهم والاستجابة، ولا يستطيع شخص آخر أن «يقوم مقامه» كوكيل أو عرّاب. في الكتاب المقدس لا توجد بدائل في هذا الأمر؛ علينا أن «نتمم خلاصنا» بأنفسنا (فيلبي 2:12)، فلا يستطيع شخص آخر أن يفعل ذلك عنا.
ولهذا لا نجد في العهد الجديد أمثلة لأطفال رضع اعتمدوا؛ فالأمثلة هي لأشخاص فهموا ما يفعلونه. وفي كتابات الكنيسة الأولى لا نجد إشارات واضحة إلى معمودية الأطفال قبل نحو سنة 150م. ويصف يوستينوس الشهيد، الذي مات نحو سنة 165م، المعمودية بكلام ينطبق بوضوح على البالغين:
«كل الذين اقتنعوا وآمنوا بأن ما نعلمه ونقوله حق، وتعهدوا أن يقدروا أن يعيشوا وفقاً لذلك، يُعلَّمون أن يصلوا... لغفران خطاياهم... ونصير أولاداً بالاختيار والمعرفة، وننال في الماء غفران الخطايا... والمؤمن يختار أن يولد من جديد وقد تاب عن خطاياه» (Ante-Nicene Christian Library، المجلد 2، ص 59).
أما ترتليان، نحو سنة 200م، فيُذكر عادة بوصفه أول من ناقش معمودية الأطفال صراحة. وكان مشهوراً بتمسكه بالتقاليد الرسولية. ومن المهم لذلك أنه كتب ضد انتشار ممارسة معمودية الأطفال؛ ويصفه المؤرخ نياندر بأنه كان «مقاوماً غيوراً» لها (Church History، المجلد 1، ص 425).
معمودية الأطفال غير كتابية
خلال القرون التالية، ولا سيما بعد عودة الاهتمام بتعليم الكتاب المقدس زمن الإصلاح في القرن السادس عشر، ظلت معمودية الأطفال موضع نقاش. بررت الكنيسة الكاثوليكية هذه الممارسة لأنها تقليد كنسي، وهو أساس غير موثوق. وبررها آخرون بالقول إن الطفل يُخلَّص بهذا السر من الدينونة و«يتجدد بالروح القدس»، أي ما يسمى «التجدد بالأسرار». لكن هذا التعليم لا يمكن إثباته من الكتاب المقدس، وهو مثال واضح على «الخلاص بطقس»؛ وهذا بالضبط ما ليست عليه المعمودية الكتابية.
قال الدكتور ل. لانغه، وهو لاهوتي ألماني بارز، بصراحة:
«يجب على كل قارئ غير متحيز للكتاب المقدس ولتاريخ المسيحية القديم أن يقر بأن معمودية الأطفال حديثي الولادة كانت مجهولة تماماً للمسيحية الأولى» (History of Protestantism، ص 221).
وكتب العميد ستانلي في مقال آخر:
«إن ممارسة التغطيس، مع أنها كانت رسولية وبدائية، كانت غير ملائمة بصورة خاصة لذوق وراحة ومشاعر الشمال والغرب... ولم يحدث هذا التغيير العظيم [إلى رش الأطفال] بمرسوم مجلس... بل بالشعور العام بالحرية المسيحية... وهو مثال لافت لانتصار الحس العملي على عبودية الشكل والعادة» (The Nineteenth Century Review، أكتوبر 1879).
وبعبارة أخرى، غيّرت الكنيسة بصورة جذرية الشكل الكتابي الأصلي للمعمودية، الذي تثبته ممارسة رسل يسوع، لأنها وجدته غير ملائم أو غير مقبول أو غير مستساغ.
ترددات
هناك ردّان شائعان على ما قلناه حتى الآن يستحقان النظر.
أولاً، يقول بعض الناس: «أعترف أن هذا كله صحيح، لكنني لا أشعر بدافع لأن أعتمد». وينشأ هذا الموقف غالباً عند من يتوقعون أن يروا الدين أساساً في صورة شعور عاطفي. فإذا لم يشعروا باستجابة قوية في داخلهم استنتجوا أنهم غير مستعدين بعد للمعمودية.
لكن هذا خطأ. ما يريده الله منا أولاً هو أن نوجه أذهاننا إلى فهم كلمته، ثم نقبل الحقائق التي وضعها فيها، ونقرر أن نحاول خدمته. وهناك سبب مهم لكون هذه هي الطريقة الدائمة في كلمة الله. فالإنسان الذي يفهم حقائق مهمة ثم يسمح لها بأن تؤثر في حياته يصبح شخصاً مختلفاً. وإذا استمر في الطريق صار ذا شخصية مختلفة «بتجديد روح ذهنه» كما قال بولس. ويصبح التغيير ثابتاً، ويستطيع الله أن يستخدم الإنسان الجديد في خدمته، الآن وفي الدهر الآتي.
وصية الله
في النهاية، إذا عرفنا أن وصية الله هي أن نعتمد، فعلينا أن نطيعها. وإلا فنحن نرفض كلمة الله نفسها. وسيأتي التقدير الأعمق لما فعلناه مع الزمن، حين نختبر في حياتنا صدق نظرة الله إلى خطايانا ونفهم أكثر «غنى نعمته» في غفرانه (أفسس 1:7). أما الخطوة الأولى الضرورية فهي أن نتواضع أمام كلمته ونفعل ما تقوله.
وهناك أيضاً من يقول: «أوافق أن هذا كله صحيح، لكنني لا أستطيع أن أعيش هذه الحياة»، ومعنى ذلك في الغالب: «لذلك لا أريد أن أبدأ». ولنكن صريحين: قد يكون هذا مجرد عذر، طريقة للهروب من وصية واضحة. فإذا أقر الشخص بصحة ما يقوله الكتاب عن المعمودية ثم رفض، فإنه يرفض إرادة الله.
لكن قد يكون الإنسان واعياً بجدية حياة الحق والرحمة والقداسة التي يتطلبها اتباع المسيح، ويشعر أنه لن يستطيع أبداً أن يبلغ مستواها، ولذلك يخشى الدينونة. وهذا مبني على سوء فهم خطير: أن الله يتوقع منا حياة كاملة بلا خطأ. الله يعلم ضعف طبيعتنا جيداً. وقد عبّر صاحب المزمور عن ذلك تعبيراً جميلاً:
«لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه... كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه. لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن» (مزمور 103:11-14).
نحن لا نتعامل مع حاكم بارد، بل مع أب رحيم لا يشاء أن يهلك أحد، بل يريد أن يخلص الناس ويأتوا «إلى معرفة الحق» وإلى «التوبة» (1 تيموثاوس 2:4؛ 2 بطرس 3:9). فهو مستعد أن يغفر إخفاقات الذين يعترفون بها ويرغبون بصدق في خدمته، ولتشجيعهم يسوع شفيع لهم عن يمين الآب.
ينبغي أن نؤمن برحمة الله وأن نبدأ بطاعة وصاياه. والمعمودية هي الخطوة الحاسمة الأولى.
الامتياز
معموديتنا علامة على أننا فهمنا «الحق»، أي إعلان إرادة الله لنا. وهي تفتح أمامنا حياة ذات آفاق جديدة: طريقة جديدة للنظر إلى حياتنا، وطريقاً جديداً نسلكه في عالم مضطرب وغير يقيني، وقوة جديدة لاتخاذ قرارات الحياة المهمة، وسلاماً جديداً مع الله الذي «يصالحنا لنفسه بيسوع المسيح».
فعندما نؤمن بالإنجيل تتغير مكانتنا. لا نعود غرباء عن الله بسبب خطايانا، بل نصير أبناءه وبناته، أعزاء في عينيه، وورثة للملكوت الذي سيقيمه يسوع على الأرض عند عودته.
إنه رجاء عظيم. فلا ينبغي أن نطرحه بلا مبالاة.
— فِرِد بيرس
أعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (المملكة المتحدة)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستخدام الشخصي، ولكن يجب الحصول على إذن لأي إعادة نشر أخرى.