المسيح في العهد القديم

Arabic

المسيح في العهد القديم

المسيّا الحقيقي لإسرائيل

أُعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (UK)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستعمال الشخصي، أما أي إعادة نشر أخرى فتحتاج إلى إذن.

• علامة مائية إلهية

• المسيّا

• الدليل

• ما قاله يسوع

• أي نوع من النبوة؟

• يسوع الإنسان

• يسوع ابن الله

• السابق

• رسالة يسوع

• المعجزات

• يسوع المرفوض

• يسوع المصلوب

• يسوع الفادي

• المسيح قام

• الصعود

• ولكن هناك المزيد!

• ما الفرق الذي يصنعه ذلك؟

• نبوة تتم في أيامنا

• وأخيراً...

الرب يسوع المسيح هو الشخصية المحورية في أسفار العهد الجديد. ويمكن أن تُطبَّق الكلمات الافتتاحية لأول الأناجيل، إنجيل متى، على العهد الجديد كله: «كتاب ميلاد يسوع المسيح» (متى 1:1). وبعد الأناجيل الأربعة يأتي سجل كرازة رسل المسيح، ثم الرسائل التي كتبوها إلى المؤمنين به في أرجاء العالم الروماني في القرن الأول للميلاد.

لكن المعلومات عن يسوع المسيح ليست محصورة في العهد الجديد. فقد كان مجيئه متوقَّعاً عند رجال ونساء عاشوا قبل أن تُكتب أسفار العهد الجديد: «وإذ كان الشعب ينتظر، والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح» (لوقا 3:15).

علامة مائية إلهية

تخفي هذه العبارة البسيطة وراءها معجزة. نعم، معجزة: أمراً يتجاوز تماماً قدرة الإنسان. والمعجزة هي هذه: يمتد في العهد القديم كله، وكأنه علامة مائية إلهية على كل صفحة، كشفٌ مسبق لطبيعة مسيّا إسرائيل الآتي. قد يبدو العهد القديم لأول وهلة رسالة الله إلى الشعب اليهودي وسجلاً لتاريخهم، لكنه أكثر من ذلك بكثير. ففي نسيج العهد القديم ذاته شيء لا يمكن نزعه من دون أن ينهار الكتاب كله: إننا نجد سيرة يسوع مكتوبة قبل مولده بقرون. وبعبارة أخرى، تستطيع أن تقرأ عن يسوع في العهد القديم.

ومما يدعو للأسف أن كل هذه المعلومات عن المسيح، التي أعلنها الله بالوحي لأنبيائه منذ فجر التاريخ البشري، تُهمَل كثيراً. لقد شرحت هذه الأسفار ليسوع نفسه سبب مولده، والعمل الذي كان عليه أن يتممه، والمجد المعد له ولكل من يأتون إلى الله بواسطته. وسوف ينقص فهمنا للمسيح إن تجاهلنا ما يقدمه العهد القديم عنه.

المسيّا

صارت كلمة «المسيّا» جزءاً من اللغة اليومية. وقد تُستعمل اليوم في وصف شخص قوي الشخصية يحمل رسالة مؤثرة. ولكن أثر هؤلاء غالباً ما ينتهي بموتهم وخروجهم من المشهد. وهذا الاستعمال ليس إلا تشويهاً ضعيفاً لمعنى «المسيّا» الحقيقي. فالكلمة عبرية الأصل مأخوذة مباشرة من العهد القديم، ومعناها «الممسوح». ومقابلها في اليونانية كلمة «خريستوس»، أي «المسيح».

لم يكن «المسيّا» في العهد القديم مجرد شخصية تاريخية، بل كان الاسم يشير إلى الموعود به، والملك الآتي، والذي «له الحق» (انظر حزقيال 21:25-27).

كان المسيّا هو المنقذ العظيم الذي انتظره اليهود الأمناء واشتاقوا إليه. وكانوا هم وبعض جيرانهم يتحدثون عن «مجيء المسيّا». وبعد أن التقى أحد التلاميذ الأوائل بيسوع قال لصديق: «قد وجدنا مسيا»، وأضاف كاتب الإنجيل توضيحاً: «الذي تفسيره المسيح» (يوحنا 1:41). كانت أياماً مثيرة. فقد ظل اليهود الأمناء يترقبون زمن المسيّا، ويتطلعون بشوق إلى اليوم الموعود. كان المسيّا قلب الرجاء اليهودي وخلاصة المواعيد العظيمة التي أعطاها الله وسُجلت في العهد القديم. وكان يسوع هو ذلك المسيّا.

الدليل

وصف العهد القديم يسوع قبل أن يولد. ولم يكن أحد غير الله قادراً على أن يتنبأ بهذا القدر من التفصيل، وبهذه الأنواع المختلفة من الأحداث، عن يسوع. وكان اليهود أنفسهم قد تعرفوا إلى كثير من هذه النصوص على أنها تتحدث عن المسيّا. ولم تُكتشف هذه النبوات بعد مجيء يسوع، بل كانت ظاهرة ومقروءة للجميع قبله بقرون.

بعض هذه النبوات مذهل إلى درجة قد تجعل المرء يظن أنها لا بد أن تكون قد كُتبت بعد وقوع الأحداث. لكن الأدلة على أنها كُتبت قبل ذلك بقرون لا تقبل الشك. فلنقل الأمر بوضوح: ميلاد يسوع المسيح الناصري، وحياته، ورسالته، وموته، وقيامته، وُصفت مقدماً في الأسفار اليهودية القديمة التي نسميها العهد القديم؛ وكانت هذه الأسفار تُقرأ في المجامع اليهودية داخل أرض إسرائيل وخارجها، وحُفظت بأمانة حتى عصرنا.

مخطوطات البحر الميت، التي بدأ اكتشافها سنة 1947، وبعضها يعود إلى أكثر من مئتي سنة قبل ميلاد يسوع، تحتوي مثلاً على نسخ من سفر إشعياء تحمل النبوات نفسها المعروفة لنا اليوم. وينطبق الأمر نفسه على الترجمات اليونانية للعهد القديم، التي أُنجزت قبل المسيح بقرنين أو ثلاثة قرون، وما زالت مخطوطاتها محفوظة في متاحف مختلفة من العالم. وهكذا كانت النبوات معروفة بالعبرية واليونانية قبل مجيء يسوع بزمن طويل.

وفوق ذلك، يجب أن نتذكر أن الأمة اليهودية ليست مسيحية، ولم تكن لتسمح للمسيحيين بأن يعبثوا بكتابها، أي العهد القديم. وكانت أسفار العهد القديم هي الكتاب المقدس الذي كان متاحاً ليسوع. والمؤرخ اليهودي يوسيفوس في القرن الأول للميلاد ذكر أسفار الكتاب اليهودي في عصره، وهي الأسفار نفسها الموجودة في عهدنا القديم. فلا شك أن العهد القديم سابق لزمن يسوع.

ما قاله يسوع

استخدم يسوع نبوات العهد القديم بوصفها أدلة قوية عندما تحدث إلى الرسل بعد قيامته من الموت. قال لهم: «هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم: أنه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب» (لوقا 24:44-45). وقبل ذلك في الفصل نفسه نقرأ: «ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب» (لوقا 24:27).

هذه كلمات مهمة جداً. فقد أعاد يسوع الرسل إلى الأقسام الثلاثة الرئيسية للعهد القديم: أسفار موسى، والأنبياء، والمزامير. وقال إن في هذه الأسفار أموراً عنه كانت تتحقق في قصة حياته. ولخص الدليل بقوله إنه موجود «في جميع الكتب». وقال عن بعض هذه النبوات: «موسى كتب عني» (يوحنا 5:46). وموسى عاش قبل يسوع بنحو ألف وخمسمئة سنة!

وبعد قيامته أمر يسوع الرسل أن يخرجوا شهوداً له ويكرزوا بالإنجيل في كل مكان. وكجزء من كرازتهم استخدموا النبوات نفسها عن المسيّا: تاريخ يسوع مكتوب قبل وقوعه. وكانت نصوص العهد القديم نفسها تُقرأ في المجامع في أنحاء منطقة البحر المتوسط.

أي نوع من النبوة؟

الكتاب المقدس هو سجل الفداء: كيف ينقذ الله البشر من الخطية ومن الموت. يبدأ الكتاب بسجل الخلق، ثم يشرح كيف دخلت الخطية والموت إلى العالم في جنة عدن. وينتهي بوصف اكتمال خطة الله المجيدة، التي ما تزال في المستقبل:

«وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا 21:3-4).

يسوع المسيح هو الجسر بين عدن وهذه النهاية المجيدة الموعودة. هو الوسيلة التي يتمم بها الله عمل الرحمة والخلاص. والنبوات عن يسوع في العهد القديم جزء من هذه القصة، أي خطة الله العظيمة للفداء. إنها تكشف كيف سيعمل الله لتحقيق إرادته للخلاص. فلنتتبع خطوات هذه الخطة كما أُعلنت قبل ميلاد يسوع بزمن طويل.

يسوع الإنسان

تنبأ العهد القديم بأن المسيّا سيكون يهودياً، مولوداً في بيت لحم، من السلالة الملكية لداود ومن سبط يهوذا. وهذه نبوات واضحة ومفصلة. ومن أمثلتها:

«ومتى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك، أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته. هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد» (2 صموئيل 7:12-13).

«أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» (ميخا 5:2).

هذه مواعيد عن ابن عظيم لداود يولد في بيت لحم. كان سليمان هو الخليفة المباشر لداود وابنه، لكنه لم يولد في بيت لحم. وقد بنى فعلاً هيكلاً لله، لكن عرشه لم يُثبت إلى الأبد. كما أن نبوة ميخا عن ميلاد المسيّا في بيت لحم كُتبت بعد موت داود بمئات السنين. كان المسيّا ما يزال مستقبلاً. وبعد نحو سبعمئة سنة وُلد يسوع في بلدة بيت لحم الصغيرة، على مسافة قليلة من أورشليم في أرض يهوذا.

يسوع ابن الله

قالت النبوات إن يسوع لن يكون ابن داود فقط، بل ابن الله أيضاً. وقد عُبِّر عن ذلك بطرق مختلفة:

«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (إشعياء 7:14).

«أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً» (1 أخبار الأيام 17:13).

«هو يدعوني: أبي أنت، إلهي وصخرة خلاصي. أنا أيضاً أجعله بكراً، أعلى من ملوك الأرض» (مزمور 89:26-27).

«إني أخبر من جهة قضاء الرب. قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك» (مزمور 2:7).

وهكذا كان المسيّا سيكون من نسل داود، لكنه لن يكون ابن أب يهودي بشري. وكما يخبرنا العهد الجديد لاحقاً، كانت له أم عذراء ولم يكن له أب بشري.

«وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره: الله معنا» (متى 1:22-23).

وكتب بولس عن «ابنه يسوع المسيح ربنا، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد» (رومية 1:3).

ومن اللافت أن أول وعد بالمنقذ في تكوين 3:15 يتحدث عن «نسل المرأة» لا نسل الرجل. فالله، لا الإنسان، هو الذي كان سيوفر الفادي، ومع ذلك سيولد من امرأة: «ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة» (غلاطية 4:4).

السابق

سبقت خدمة يسوع العلنية شهادة يوحنا المعمدان، الذي أعلن أنه السابق المرسل ليهيئ الطريق للمسيّا الرب، وكان يكرز في البرية. وقد سبق الأنبياء فأعلنوا ذلك:

«صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب. قوموا في القفر سبيلاً لإلهنا» (إشعياء 40:3).

«هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي» (ملاخي 3:1).

حركت رسالة يوحنا المعمدان قلوب آلاف اليهود إلى التوبة والاستعداد. وكان يقول لهم أن يستعدوا للمسيّا. ولما جاء يسوع إلى نهر الأردن حيث كان يوحنا يكرز ويعمد، قال أحد التلاميذ: «وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء، يسوع الناصري» (يوحنا 1:45).

رسالة يسوع

جاءت رسالة الرب يسوع المسيح العجيبة تعزية وشفاء لعقول الناس العاديين. وقيل عنه: «كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة» (متى 7:29). وتعجب الناس من تعليمه، وجاء إليه الناس من كل طبقات المجتمع: الغني والفقير، القوي والضعيف، الصحيح والمريض. وفي كلماته وجدوا الرحمة والرجاء والخلاص. لكن هذا بالضبط ما سبق أن تنبأ به العهد القديم:

«روح السيد الرب علي، لأن الرب مسحني لأبشر المساكين. أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق، لأنادي بسنة مقبولة للرب» (إشعياء 61:1-2).

«السيد الرب أعطاني لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعيي بكلمة. يوقظ كل صباح، يوقظ لي أذناً لأسمع كالمتعلمين» (إشعياء 50:4).

لا عجب أن الإنجيل يُدعى «البشارة السارة». فالناس الذين حُبسوا في جمود ديني وأُخيفوا من معلميهم وحكامهم وجدوا في المسيح تحرراً وفرحاً ورجاءً، كما وعد الأنبياء. وفهم كثيرون معنى ذلك، فكان المرضى ينادون يسوع مراراً «يا ابن داود»، أي الموعود لداود من الله. لقد رأوا فيه المسيّا.

المعجزات

كانت البشارة التي جاء بها يسوع هي «بشارة ملكوت الله». فهو الذي سيملك عند مجيئه الثاني ملكاً على عرش داود. وفي الوقت الحاضر كانت رسالته هي شريعة الملك التي تُعِد تلاميذه لذلك الملكوت.

ولم تكن معجزاته مجرد زخرفة لتعاليمه. كانت شهادات حية تثبت أنه ابن الله وابن داود، وتعطي لمحة مسبقة عن عصر الملكوت:

«شددوا الأيادي المسترخية، والركب المرتعشة ثبتوها. قولوا لخائفي القلوب: تشددوا لا تخافوا. هوذا إلهكم... يأتي ويخلصكم. حينئذ تتفقح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالإيل، ويترنم لسان الأخرس، لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر» (إشعياء 35:3-6).

وقد قال الناس إن كلمات يسوع ومعجزاته تثبت أنه المسيّا الموعود: «حينئذ أُحضر إليه مجنون أعمى وأخرس فشفاه، حتى إن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر. فبهت كل الجموع وقالوا: ألعل هذا هو ابن داود؟» (متى 12:22-23).

يسوع المرفوض

مع أن كلماته كانت عجيبة ومعجزاته مملوءة بالرحمة وصلاحه واضحاً، فقد رفضه شعبه في النهاية. حسده القادة وأبغضوه، أما عامة الناس فتبيّن أن ثباتهم ضعيف، وسرعان ما تأثروا بعداوة شيوخهم ورؤسائهم الدينيين. وقد سبق أن أُعلن ذلك أيضاً:

«محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن... محتقر فلم نعتد به» (إشعياء 53:3).

«هكذا قال الرب، فادي إسرائيل وقدوسه، للمهان النفس، لمكروه الأمة...» (إشعياء 49:7).

«بذلت ظهري للضاربين، وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق» (إشعياء 50:6).

«أنت عرفت عاري وخزيي وخجلي. قدامك جميع مضايقي. العار قد كسر قلبي فمرضت. انتظرت رقة فلم تكن، ومعزين فلم أجد» (مزمور 69:19-20).

يسوع المصلوب

كانت ذروة حياة يسوع موته بالصلب. وقد عُرفت في أزمنة قديمة ممارسات لتعليق بعض المجرمين على خشبة بعد موتهم، أما صلب الأحياء كما فعله الرومان فكان أمراً مختلفاً ولم يكن من عادة اليهود. ومع ذلك، قبل ميلاد يسوع بألف سنة تقريباً، وُصف هذا النوع من الموت:

«لأنه قد أحاطت بي كلاب. جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أحصي كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون في» (مزمور 22:16-17).

وحتى تقسيم ثيابه، الذي يذكر العهد الجديد أن الجنود قاموا به، سبق وصفه:

«يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون» (مزمور 22:18).

كما سبق الإعلان عن سخرية أعدائه واحتقارهم له، وعن خضوعه الهادئ:

«أما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه وينغضون الرأس» (مزمور 22:6-7).

«ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه» (إشعياء 53:7).

هذه من أعمق الكلمات تأثيراً في الكتاب المقدس، وقد كُتبت قبل الحدث بقرون طويلة. وإتمامها الكامل في المسيح دليل على أنه هو المسيّا، وعلى أن هذه النبوات جاءت من الله.

يسوع الفادي

لم يكن ألم المسيح وعاره بلا غاية، بل كانا مرتبطين بفدائنا وغفران خطايانا. كلمات العهد القديم واضحة:

«لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها... وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا» (إشعياء 53:4-6).

لم تكن هذه الأمور مصادفات غريبة، بل كانت جزءاً من خطة الله العظيمة التي يقف المسيح في مركزها.

المسيح قام

قد يقول قائل إن يسوع ربما حاول أن يجعل حياته توافق أقوال العهد القديم، لكي يبدو أنه المسيّا. لكن هذا الاعتراض ينهار سريعاً. فهو لا يفسر المعجزات التي أجراها، ولا يفسر رفضه وصلبه، الأمر الذي كان سيتطلب تعاوناً من أعدائه والجنود الذين نفذوا الحكم.

ثم يسقط هذا الاعتراض تماماً أمام قيامته من الموت. فالقيامة لم تكن شيئاً يستطيع الإنسان أن يدبره لنفسه، كما أنها فاجأت التلاميذ أنفسهم. وكانت المعجزة الختامية التي توجت كل ما سبق قد أُعلن عنها هي أيضاً في العهد القديم:

«أما أنا فعلى الرب أراقب. أصبر لإله خلاصي. يسمعني إلهي. لا تشمتي بي يا عدوتي. إذا سقطت أقوم. إذا جلست في الظلمة فالرب نور لي» (ميخا 7:7-8).

«لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً. تعرفني سبيل الحياة. أمامك شبع سرور، في يمينك نعم إلى الأبد» (مزمور 16:10-11).

وتشكل هذه الكلمات من المزامير حجراً أساسياً في كرازة الرسل. فلم تكن تنطبق في معناها الكامل على أحد سوى الرب يسوع المسيح. ولذلك قال بطرس يوم الخمسين، مشيراً إلى مزمور 16:

«أيها الرجال الإخوة، يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود إنه مات ودُفن، وقبره عندنا حتى هذا اليوم... سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح، أنه لم تُترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهود لذلك» (أعمال 2:29-32).

الصعود

بعد نحو أربعين يوماً صعد المسيح القائم إلى السماء. وهذا الحدث العجيب أيضاً سبق الإعلان عنه:

«تعرفني سبيل الحياة. أمامك شبع سرور، في يمينك نعم إلى الأبد» (مزمور 16:11).

«قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك» (مزمور 110:1).

كان هذا تتويجاً للدليل الممتد في العهد القديم إلى يسوع الناصري. وقد أكد أن يسوع هو ابن الله، كما أكد موثوقية أسفار العهد القديم. وصعود المسيح وجلوسه عن يمين الله كانا دليلاً آخر على أنه المسيّا.

ولكن هناك المزيد!

تبقى قطعة أخيرة في الصورة: وعد مملوء بالنور والرجاء، وهو جزء من الإيمان المسيحي منذ بدايته. يسوع المسيح سيعود إلى الأرض ليملك.

سبق أن قرأنا: «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك». ثم يكمل المزمور: «يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك» (مزمور 110:2).

وليس من العجيب أن يكون مزمور 110:1 من أكثر نصوص العهد القديم اقتباساً في العهد الجديد. وقد طبق بطرس هذا المعنى على يسوع قائلاً إن السماء ينبغي أن تقبله «إلى أزمنة رد كل شيء، التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر» (أعمال 3:21).

يسوع الذي صعد إلى السماء هو المسيح الذي سيعود إلى الأرض ليملك ملك الملوك ورب الأرباب. والذي حمل إكليل الشوك سيحمل إكليل المجد. وسيملك على الأرض كلها. وهذه المواعيد ستتم كما تمت نبوات مجيئه الأول.

ما الفرق الذي يصنعه ذلك؟

أين نقف نحن أمام هذه الحقائق؟ نحن عند مفترق طرق. إما أن نقبل الشهادة التي رأيناها على أنها مقنعة وأساس ثابت للإيمان، أو نبتعد عنها من دون أن نستطيع دحضها ونعيش بعيداً عن المسيح.

وهذا تقريباً ما فعله اليهود المعاصرون ليسوع. وقد كانوا مخطئين بصورة كارثية. فقد أنذرهم يسوع أن رفضهم له سيؤدي إلى زوال كيانهم القومي في أرض فلسطين، وأن أورشليم ستُحاصر ويُهدم الهيكل.

كان ذلك عندهم أمراً لا يُصدق، لكنه حدث. ففي سنة 70 للميلاد حاصر الرومان المدينة واقتحموها، وكان الخراب والقتل فظيعين. وعلى الرغم من أمر القائد الروماني بعدم المساس بالهيكل، أشعل الجنود النار فيه وتركوه خراباً.

كلمة الله تتم دائماً. وقد وصل الإنجيل إلى أنحاء الأرض وصار المسيح نوراً للأمم كما أعلن العهد القديم. والآن صار علينا نحن أن نجيب عن سؤال بيلاطس الوالي الروماني: «فماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح؟» هو المخلّص الموعود للبشرية والملك الآتي. ولا رجاء لنا ولا للعالم بدونه.

جاء حكماء من بلد أممي إلى يسوع عند مولده، ومنذ ذلك اليوم ظل الحكماء يأتون إليه. فهل تكون واحداً منهم؟

نبوة تتم في أيامنا

ما زال العهد القديم يتم. ومن أعجب أحداث العصر الحديث عودة اليهود إلى الأرض التي تشتتوا منها قروناً طويلة. والكتاب المقدس سبق فقال إن هذا سيحدث:

«اسمعوا كلمة الرب أيها الأمم، وأخبروا في الجزائر البعيدة وقولوا: مبدد إسرائيل يجمعه ويحرسه كراع قطيعه» (إرميا 31:10).

«لأنه ها أيام تأتي، يقول الرب، وأرد سبي شعبي إسرائيل ويهوذا... وأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت آباءهم إياها فيمتلكونها» (إرميا 30:3).

هذه النبوات واضحة مثل نبوات المسيح. ووجود اليهود من جديد أمة في أرضهم حقيقة يشهد لها العالم. ما أعلنه الكتاب تم بحسب قصد الله. ولذلك فإن عودة المسيح وملكه على الأرض ليست أمراً غامضاً، بل جزء من رجاء الكتاب المقدس.

ومن أشهر الوعود:

«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا» (إشعياء 9:6-7).

وأخيراً...

هل ستكون مستعداً للملك عندما يأتي؟ الحكماء سيكونون مستعدين. السيد سيأتي ليملك على الأرض، وسيمنح الحياة الأبدية للذين آمنوا بهذه البشارة، واعتمدوا، وثبتوا في انتظار مجيئه:

«ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» (متى 25:31-34).

ألا يستحق هذا أن نؤمن به؟ إنه رجاء عظيم.

— هاري تينانت

أُعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (UK)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستعمال الشخصي، أما أي إعادة نشر أخرى فتحتاج إلى إذن.

Literature type