رجاء لعالم بلا رجاء

Arabic

رجاء لعالم بلا رجاء

رسالة الكتاب المقدس العجيبة

أُعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (UK)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستعمال الشخصي، أما أي إعادة نشر أخرى فتحتاج إلى إذن.

• اضطراب عالم القرن العشرين

• قبل مئة سنة

• مصدر الرجاء

• مشكلة عالمية

• مطلوب — القائد

• يا له من قائد!

• نبوة الكتاب المقدس

• المؤمنون الأوائل

• قيمة النبوات

• ملكوت المستقبل

• تأملات

• «وماذا عني أنا؟»

افتح صحيفة، أو استمع إلى الأخبار في الراديو أو التلفزيون، وستخرج غالباً بانطباع واحد: الاضطراب. عالمنا ممزق بالنزاعات — بين الأحزاب السياسية، وبين الجماعات العرقية، وبين الأمم. وهو محاط بالمشكلات: الجوع، وتلوث الأرض والمياه، والعنف الذي لا يكاد يغيب؛ ومشكلات المجتمع التي تكشفها زيادة الجريمة واكتظاظ السجون؛ والمستشفيات المملوءة بالمرضى، وكثير منهم يعانون بسبب ضغوط نفسية شديدة؛ والعدد المقلق من ضحايا تعاطي المخدرات وإدمان الكحول.

وفوق ذلك كله يلوح باستمرار خطر الأزمات الاقتصادية، بما يصاحبها من بطالة واسعة وضيق مادي. وقد غرقت دول نامية كثيرة في ديون هائلة للبنوك العالمية، ولا يبدو أمامها سبيل واقعي لسداد أصل هذه الديون فضلاً عن فوائدها.

اضطراب عالم القرن العشرين

لكن هناك سمة واحدة، في نظر هذا الكتيب، تكشف أكثر من غيرها عن مقدار اليأس في وضع العالم. فلو جاء زائر من كوكب آخر وفحص شؤون الأرض، لوجد الجنس البشري منقسماً إلى أمم، وكل أمة تصر على المحافظة على هويتها المنفصلة. وداخل الأمة الواحدة تتنافس جماعات دينية وعرقية، بل تدخل أحياناً في صراع صريح. وتعلو أصوات تنادي بالسلام يقابلها في الوقت نفسه نداءات للحرب، بينما تسمح التحالفات الجديدة بين الدول للأقليات المضطهدة بالمطالبة «بحقوقها».

وقد قيل الكثير عن «نهاية» الحرب الباردة، وعن نزع السلاح بين القوى العظمى السابقة، وعن تراجع خطر الهجوم النووي. ومع ذلك ظل العالم ينفق مبالغ ضخمة على السلاح. فإذا سأل الزائر: لماذا تفعل الأمم ذلك؟ لقيل له: «من أجل الدفاع». وإذا سأل: الدفاع ضد من؟ لاكتشف أن السبب هو الخوف من أمم أخرى.

أي أن الأمم تنفق أموالاً هائلة كل سنة لتصنع قوة التخويف والتدمير لأنها لا تستطيع أن تثق بعضها ببعض. وهذه، بحسب الكاتب، هي لب المشكلة. والأسوأ أن أحداً لا يعرف كيف يوقفها. ولا يوجد في الأفق ما يضمن رفع هذا العبء الهائل عن البشرية، بينما يستمر تطوير أسلحة أكثر فتكاً.

فلا عجب، إذن، أن تنتشر مشاعر التشاؤم واليأس. وهذا كله في «القرن العشرين المتقدم والمتحضر» كما كان يسميه الكاتب.

قبل مئة سنة

لكن قبل نحو مئة سنة من زمن كتابة هذا الكتيب كان الانطباع مختلفاً تماماً. فقد كان القرن التاسع عشر عصر تفاؤل وتقدم واسع. أدت زيادة المعرفة العلمية إلى تطور تقني مذهل، وازداد الإنتاج الصناعي وجلب معه ثروة أكبر. واتسع نطاق التعليم حتى صار متاحاً لطبقات المجتمع المختلفة، وكان الناس يتوقعون من ذلك نتائج عظيمة.

قيل إن الرجال والنساء كلما صاروا أكثر تعليماً اختاروا اهتمامات أسمى، واستمتعوا بالأدب والفنون والموسيقى والرسم. وكان المتوقع أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع المستوى الأخلاقي للمجتمع، وتحسن السلوك، والوصول في النهاية إلى سلام عالمي.

ووعد السياسيون بنظام اجتماعي جديد يقوم على العدل والمساواة. وقيل إن توزيع الثروة بصورة أفضل سيجعل الناس أكثر رخاء، فيزول الحسد بينهم. وكان من شعارات ذلك العصر: «ألغِ الفقر، تلغِ الجريمة». وهكذا ستتطور أفضل طاقات العقل البشري، ويُحفظ السلام بين الأمم.

وانضم قادة الكنائس إلى هذا التفاؤل، وتنبأ بعضهم بثقة أن جميع الأمم ستقبل «إنجيل المسيح» بمرور الزمن، وأن العالم سيتحول بالكرازة.

لكن أحداث «هذا القرن العشرين الشاحب» — بحسب تعبير ونستون تشرشل — جاءت صدمة عنيفة. تحطم الحلم تحت وطأة حربين عالميتين، وتحت التهديد المستمر بأسلحة أشد فتكاً.

وكان هربرت جورج ويلز، الذي دافع طويلاً عن فكرة التقدم التطوري، قد عبّر في نهاية حياته عن خيبة أمله في كتابين هما The Mind at the End of its Tether وThe Fate of Homo Sapiens. وقد انتهى إلى أنه لا يرى رجاء للبشرية، وقال: «ليس هناك إلا الظلام». وكان ذلك سنة 1945، قبل إسقاط أول قنبلة ذرية.

وهكذا، يقول الكتيب، سقطت آمال بشرية متتالية: أولاً الاعتقاد أن الدين المسيحي سيوحد العالم؛ ثم التوقع أن التقدم السياسي ونمو الديمقراطية سيجلبان السلام؛ ثم الأمل أن العلم سيغير العالم إلى الأفضل. لكن نتائج العبقرية العلمية أثبتت أنها سيف ذو حدين. ولم يبق رجاء بشري قوي في تغيير جذري للعالم.

مصدر الرجاء

ومع ذلك يوجد بين أيدينا مصدر واحد، بحسب الكاتب، لم يضلل الناس بإعطائهم آمالاً كاذبة: الكتاب المقدس.

فالكتاب كله يرى التاريخ البشري متجهاً إلى ذروة عظيمة، كثيراً ما تسمى «وقت النهاية» أو «الأيام الأخيرة»، وتوجد مقاطع تصف بوضوح ما ستكون عليه تلك الأيام. ومن أوضحها لوقا 21.

سأل التلاميذ يسوع عن العلامة التي تسبق مجيئه — أي عودته إلى الأرض — وعن «انقضاء الدهر» (متى 24:3). فبدأ يسوع بوصف ظروف سيمر بها أتباعه بعد صعوده، ثم تحدث عن الشعب اليهودي:

«ويقعون بفم السيف، ويُسبون إلى جميع الأمم، وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم» (لوقا 21:24).

وهذه، في نظر الكاتب، نبوة لافتة جداً في آية واحدة. فهي تقول إن اليهود سيعانون حرباً شديدة، وقد حدث ذلك بعد نحو أربعين سنة من صعود يسوع، عندما غزت الجيوش الرومانية اليهودية سنة 70 للميلاد، ودمرت أورشليم وأحرقت الهيكل وطردت اليهود.

ثم تشتت اليهود في أمم الأرض، حيث تعرضوا قروناً للاضطهاد، وأُبيدت جماعات كاملة منهم في بعض الأزمنة.

وظلت أورشليم كذلك تحت سلطة قوى متعددة: الرومان، ثم العرب، ثم الأتراك، وفي زمن أحدث البريطانيين.

لكن كلمات يسوع تعلن أن سيطرة الأمم على أورشليم لن تستمر إلى الأبد. ويشير الكاتب إلى قيام دولة إسرائيل سنة 1948، ثم استيلاء إسرائيل على أورشليم الشرقية سنة 1967، واعتبارها المدينة عاصمة قومية.

وهكذا يرى الكتيب أن هذه النبوة قد دخلت مرحلة من الإتمام في العصر الحديث. ومن هنا ينتقل إلى كلمات يسوع التالية:

«وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وعلى الأرض كرب أمم بحيرة، البحر والأمواج تضج، والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة، لأن قوات السماوات تتزعزع» (لوقا 21:25-26).

قد يقول البعض إن هذا الكلام رمزي. لكن إذا حذفنا منه كل ما يمكن اعتباره رمزياً، تبقى العبارات: «على الأرض كرب أمم بحيرة... والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة».

وهذا وصف لا يحتاج إلى رمز: أمم في ضيق، وبشر يملؤهم الخوف، وحيرة أمام أحداث مخيفة. ويؤكد الكاتب أن كلمة «المسكونة» تعني العالم المأهول.

ويستنتج أن يسوع وصف زمناً تنتهي فيه مرحلة من سيطرة الأمم على أورشليم، وفي الوقت نفسه يدخل العالم حالة من القلق والخوف والحيرة.

ثم يقارن الكاتب بين ذلك وبين توقعات المفكرين قبل قرن واحد فقط. فقد أخطأ كثير من أكثر رجال القرن التاسع عشر تعليماً في تصور مسار القرن العشرين، بينما يرى أن يسوع، قبل نحو ألف وتسعمئة سنة، رسم صورة تتطابق مع اتجاه الأحداث الحديثة.

ومن هنا يدعو القارئ إلى الاحتفاظ بهذه الحقيقة في ذهنه قبل الانتقال إلى دليل آخر.

مشكلة عالمية

لقرون طويلة كان من الممكن النظر إلى مشكلة تعايش الأمم باعتبارها مشكلة محلية. وكان يكفي، في أحسن الأحوال، أن تعيش الدولة بسلام مع جيرانها المباشرين. لكن المشكلة اتسعت مع الزمن، وفي القرن العشرين صار واضحاً أن أزمة المجتمع البشري ليست قومية ولا إقليمية فقط، بل عالمية.

وكان أول جهد كبير للتعامل معها إنشاء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. كان الهدف أن تحل الدول نزاعاتها بالمفاوضات بدلاً من الحرب. بل تبنت العصبة كلمات من الكتاب المقدس: «لا ترفع أمة على أمة سيفاً، ولا يتعلمون الحرب في ما بعد» (إشعياء 2:4).

ارتفعت الآمال، لكنها تحطمت خلال أقل من عشرين سنة مع صعود الأنظمة المسلحة في إيطاليا وألمانيا، ثم الحرب العالمية الثانية.

وبعد الحرب الثانية أدى الإحساس بالحاجة إلى نظام عالمي إلى إنشاء الأمم المتحدة. لكن الكاتب يصفها بأنها وُلدت من رجاء متدين أكثر من تفاؤل واقعي، ويرى أنها لم تستطع منع النزاعات عندما تصر قوة كبرى على تحقيق أهدافها.

ومع ذلك، فإن ما يحتاج إليه العالم بوضوح هو سلطة قادرة على التعامل مع جميع الأمم، وإجبار المتمردين على العمل للصالح العام، ومواجهة الجوع والتلوث، وقبل كل شيء الحد من سباق التسلح الذي يهدد الحياة على الأرض.

وكانت هذه هي الفكرة وراء الدعوات إلى «حكومة عالمية» في خمسينيات القرن العشرين. لكن اللافت، بحسب الكتيب، أن الإدراك بأن المشكلات البشرية تحتاج إلى حل عالمي لم يصبح واضحاً إلا في الأزمنة الحديثة.

ويذكر الكاتب أن برتراند راسل ألقى في الخمسينيات سلسلة أحاديث عن «الحكومة العالمية»، وقال إن البشرية إذا لم تطور خلال نحو خمسين سنة نظاماً عالمياً ذا سلطة فعلية فقد تهلك. وعندما سُئل عن سبب تشاؤمه قال: بسبب «أهواء البشر الفوضوية»، أي عجز الناس عن السيطرة على رغباتهم.

لكن الكاتب يقول: هناك رجاء. فالكتاب المقدس، منذ بدايته، يرى أن الحياة البشرية على الأرض مشكلة عالمية تحتاج إلى حل عالمي. وقد أعطي البشر قدرة على إدارة شؤون الأرض، لكن ليس إلى الأبد. وعندما يأتي «وقت النهاية» تُنزع السيطرة النهائية من الإنسان، لأن «للرب الملك، وهو المتسلط على الأمم» (مزمور 22:28).

وعندما يُثبت ملك المستقبل، «يسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبد له» (مزمور 72:11)، و«تمتلئ الأرض من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر» (إشعياء 11:9).

ويرى الكتيب أن المشكلة العالمية التي استوعبها الكتاب منذ البداية ستتلقى حلاً عالمياً، وهو الطريق الوحيد الحقيقي لحلها.

مطلوب — القائد

لا يتحقق شيء عظيم ودائم في التاريخ بمجرد حركة الجماهير بلا قيادة. بل يظهر قائد أو قادة يوجهون الآخرين ويدفعونهم إلى العمل.

ويضرب الكاتب مثلاً بإلغاء الرق في الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر. فقد ناقش البرلمان المسألة مراراً، وكانت هناك مصالح اقتصادية قوية مرتبطة بمزارع السكر في جزر الهند الغربية. لكن العمل المستمر لويلبرفورس ورفاقه على مدى عقود كان عاملاً حاسماً في تغيير الوضع. وبدون قائد للقضية ربما لم يحدث شيء.

ومن هنا يقول الكتيب إن العالم يحتاج إلى قائد استثنائي يستطيع إخراج جميع الأمم من أزماتها. فأين يوجد هذا الشخص؟

هل يستطيع رئيس الولايات المتحدة أن يحظى بتأييد العالم كله؟ أو رئيس وزراء بريطانيا؟ أو واحد من حكام روسيا؟ أو رئيس فرنسا؟ يكفي طرح هذه الأسماء، كما يقول الكاتب، لندرك أن أي زعيم سياسي معاصر لا يملك السلطة الأخلاقية والسياسية اللازمة لقيادة جميع الأمم وإعادة تنظيم شؤون الأرض.

ولا توجد شخصية سياسية واحدة تستطيع جمع العالم كله وراء مشروع إصلاح شامل.

لكن الكتاب المقدس، بحسب الكاتب، سبق أن رأى هذه الحاجة أيضاً. فهو يتنبأ بمجيء قائد قادر على قيادة جميع الأمم بالعدل والسلام.

ويستشهد بخطاب بولس في أثينا، أعمال 17. فقد قال إن الله «رب السماء والأرض»، وإنه صنع «من دم واحد كل أمة من الناس» وحدد أزمنتهم وحدود مساكنهم. ثم أعلن أن الله يأمر جميع الناس بالتوبة «لأنه أقام يوماً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه، مقدماً للجميع إيماناً إذ أقامه من الأموات» (أعمال 17:30-31).

والفكرة العامة واضحة: في قصد الله يوم قادم يحكم فيه العالم حكماً عادلاً بواسطة الرجل الذي أقامه من الموت — يسوع المسيح.

يا له من قائد!

تأمل ما يعنيه هذا. فالكتاب لا يقدم يسوع مجرد اسم، بل يصور شخصيته بالتفصيل.

في كل ما يُسجل عنه نراه متمسكاً بالحق ورافضاً للخداع والكذب. وهو رحيم في معاملته للآخرين، شفيق على الضعفاء واليائسين. وتظهر في كلامه وأفعاله شجاعة أخلاقية لا تتراجع أمام المعارضة أو العنف، واهتمام بالناس بلغ ذروته في بذل حياته على الصليب.

وفوق كل ذلك جعل إكرام الله وطاعة إرادته المبدأ الذي يحكم حياته.

ويرى الكاتب أن يسوع الناصري، ابن الله، هو أبرز شخصية في التاريخ البشري.

فأي قائد أصلح منه لإخراج البشرية من الشر إلى السلام والعدل أمام الله والناس؟ ومن أكثر منه استحقاقاً للثقة في اتخاذ القرارات الصحيحة؟

ثم تأتي نقطة أخرى حاسمة: هذا القائد، بحسب الإنجيل، قام من الموت وصار حياً لا يموت. فمشكلة الحكام البشر أنهم يختفون بعد وقت، ثم يجب أن يخلفهم آخرون، ولا يعرف أحد هل سيكون الخلف أفضل أم أسوأ.

أما يسوع فحي إلى الأبد، فلا يحتاج إلى خليفة. كما أنه سيُعطى القدرة الكافية لمنع الرجال الأشرار من تعطيل سياسته العادلة. وكما قال لتلاميذه بعد قيامته وقبل صعوده: «دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (متى 28:18).

ويرى الكتيب في هذا حلاً متكاملاً لمشكلات الأمم: قائد مستقيم، وسياسة عادلة، وقدرة على تنفيذها، وحكم لا يوقفه الموت، وشخصية مملوءة بالرحمة والحق. وهذه هي الصفات التي يحتاج إليها العالم الحديث، ومع ذلك يقول الكاتب إن الكتاب سبق أن أعلنها قبل نحو ألفي سنة وأكثر.

نبوة الكتاب المقدس

كيف يمكن أن يكون الكتاب قد سبق فأعلن أزمة الإنسان الحديثة بهذا الشكل: المشكلات العالمية، والحاجة إلى قائد عالمي، والحاجة إلى سلطة عادلة دائمة؟

يقول الكاتب إن الجواب الوحيد المعقول هو أن أحداً كان يعرف مسبقاً ما ستصل إليه الظروف البشرية. ولا يستطيع البشر أنفسهم أن يكونوا مصدر هذه المعرفة، وإلا ظهرت في كتاباتهم بنفس الوضوح. أما إذا كان الله هو الذي يعرف، وإذا كان الكتاب المقدس حقاً كلمته للبشر، فتصبح الصورة مفهومة.

ومن هنا يستنتج أن الكتاب المقدس يستحق أن يُعامل بجدية. فإذا صح، في نظر الكاتب، ما قاله عن أحداث جاءت بعد قرون، فمن الحكمة أن ننتبه أيضاً إلى ما يقوله عن أحداث لم تقع بعد.

فالفكرة ليست أن نقبل كلاماً بلا دليل، بل أن نلاحظ أن الكتاب قدم تنبؤات طويلة المدى يرى الكاتب أنها اتفقت مع التاريخ، ثم نسأل: ماذا يقول أيضاً عن مستقبل الأرض والبشر؟

المؤمنون الأوائل

لا يوجد شك، بحسب العهد الجديد، في أن المؤمنين الأوائل — الرسل ومن آمنوا بكرازتهم — توقعوا عودة يسوع الشخصية إلى الأرض لكي يتم قصد الله مع الأمم.

فبعد أن وصف يسوع عالم الضيق والخوف والحيرة قال: «وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد كثير» (لوقا 21:27).

و«ابن الإنسان» لقب استعمله يسوع عن نفسه. ويشدد الكاتب على أن مجيئه ليس حدثاً سرياً لا يلاحظه أحد، بل مجيء «بقوة ومجد كثير».

وعندما وقف التلاميذ على جبل الزيتون يشاهدون يسوع يصعد إلى السماء، قيل لهم: «إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء» (أعمال 1:11).

ويرى الكاتب أن هذا إعلان حرفي واضح: يسوع نفسه الذي عرفوه بعد قيامته سيعود، وبالطريقة نفسها التي غادر بها بصورة حقيقية وشخصية.

ولهذا امتلأت كرازة الرسل ورسائلهم بانتظار عودة المسيح. وقد رأينا بالفعل أعمال 17 حيث أعلن بولس أن المسيح هو الرجل الذي عينه الله لحكم المسكونة.

وفي رسالتي بولس إلى أهل تسالونيكي توجد إشارة إلى رجوع المسيح في كل أصحاح تقريباً. ومن أولها فرح بولس بأن المؤمنين «رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي، وتنتظروا ابنه من السماء، الذي أقامه من الأموات، يسوع» (1 تسالونيكي 1:9-10).

وكذلك قال بطرس لأهل أورشليم بعد صعود يسوع بقليل:

«فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم، لكي تأتي أوقات الفرج من وجه الرب، ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل، الذي ينبغي أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شيء، التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر» (أعمال 3:19-21).

هذه، في رأي الكاتب، عبارة هائلة الأهمية. فهي تعلن «أوقات الفرج» و«أزمنة رد كل شيء». وهذه الأزمنة لا تأتي من موارد البشر بل «من وجه الرب». والطريقة التي تأتي بها هي أن الله «يرسل يسوع المسيح».

فالسماء لا تحتفظ به إلى الأبد، بل «إلى» زمن الرد. ومن هنا صار رجوع يسوع الشخصي نقطة مركزية في كرازة الرسل.

قيمة النبوات

ويضيف بطرس معلومة مهمة: «أزمنة رد كل شيء» سبق أن أعلنها الله «بفم جميع أنبيائه القديسين». والمقصود بالأنبياء رجال العهد القديم الذين جاءت كتاباتهم إلينا في الأسفار نفسها.

فإذا كان بطرس يقول إن قصد الله المستقبلي موجود في الأنبياء، فإن الرجوع إلى نبوات العهد القديم ليس مضيعة للوقت.

وماذا تقول النبوات بصورة عامة؟ يقول الكاتب إنها تعلن أن التاريخ البشري، رغم مظهره، تحت سيطرة الله؛ وأن البشر أُعطوا فرصة لحكم الأرض لكن ليس إلى الأبد؛ وأن فساد الإنسان سيظهر عجزه عن حكم نفسه وعن إنقاذ العالم؛ ثم يأتي وقت يتدخل فيه الله مباشرة ويقيم حكمه على الأرض ليؤسس الحق والسلام على أساس إكرام اسمه.

ومن أبسط الأمثلة وأشملها دانيال 2. رأى ملك بابل نبوخذنصر في حلم تمثالاً عظيماً مكوّناً من معادن مختلفة: رأس من ذهب، وصدر وذراعان من فضة، وأجزاء أخرى من معادن مختلفة. ثم رأى حجراً يضرب قدمي التمثال ويسحقه كله، وبعد ذلك يصير الحجر جبلاً عظيماً ويملأ الأرض.

وشرح دانيال أن التمثال يمثل ممالك البشر. فالرأس الذهبي يمثل إمبراطورية بابل، ثم تأتي ممالك أخرى بعدها. ويرى الكاتب في بقية الصورة تعاقب الإمبراطوريات: فارس، واليونان، وروما.

وفي المرحلة الأخيرة تكون القدمان من حديد وخزف، أي حالة من الضعف والانقسام لا تتماسك فيها الأمم. ويرى الكاتب في ذلك وصفاً لانقسام أوروبا بعد سقوط السلطة الرومانية.

لكن الحجر يضرب التمثال في هذه المرحلة ويدمره، ثم يصير «جبلاً عظيماً وملأ الأرض كلها» (دانيال 2:35).

ثم يقول دانيال: «وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً... تسحق وتفني كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد» (دانيال 2:44).

ويختم: «الإله العظيم قد عرّف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين» (دانيال 2:45).

ويحث الكتيب القارئ على دراسة دانيال 2 بنفسه. فالرسالة الأساسية، في فهمه، أن الإمبراطوريات البشرية تقوم وتسقط، ثم تبقى ممالك قومية منقسمة، وأخيراً يتدخل إله السماء ويقيم ملكوته الذي لا يزول.

ومن هنا تأتي نتيجة مهمة: السلام والأمان والرفاه الدائم للبشرية لن يتحقق، بحسب هذا التعليم، بواسطة الفلسفات أو النظريات الاجتماعية أو التحالفات أو المعاهدات السياسية أو التقدم العلمي وحده. بل يأتي بتدخل الله وإرسال ابنه ليملك باسمه، في وقت من الضيق والخوف العالمي.

ملكوت المستقبل

إذا عاد المسيح وأعاد سلطان أبيه على الأرض، فكيف سيكون العالم؟

يقول الأنبياء الكثير. ويختار الكاتب إشعياء 2 مثالاً. يبدأ الأصحاح بصورة للأمم تعيش في سلام تحت حكم الله. «في آخر الأيام» تعترف الأمم بسلطان الرب، ويقول كثيرون:

«هلم نصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله يعقوب» (إشعياء 2:3).

ولماذا يفعلون ذلك؟ «فيعلمنا من طرقه فنسلك في سبله، لأنه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الرب» (إشعياء 2:3).

وبذلك تصبح أورشليم مركزاً لتعليم عالمي صادر عن الله.

ثم ما أثر هذا الحكم؟

«فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين، فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل» (إشعياء 2:4).

أي أن الموارد التي أُنفقت على السلاح تتحول إلى نشاط نافع للحياة. ثم تأتي الكلمات الشهيرة:

«لا ترفع أمة على أمة سيفاً، ولا يتعلمون الحرب في ما بعد» (إشعياء 2:4).

وقد اتخذت عصبة الأمم هذه الكلمات شعاراً في العشرينيات. لكن المثال الإنساني لم يدم حتى عقدين. أما الكتاب، فيقول الكاتب، فيعلن أن سلاماً حقيقياً بين الأمم سيأتي بالفعل عندما يكون الله هو صاحب السلطان الفعلي.

وهذه هي، بحسب الكتيب، رسالة الرجاء للعالم.

تأملات

لنلخص ما سبق.

يرى الكاتب أن حكماء البشر، حتى في الأزمنة الحديثة، أخفقوا في توقع حجم المشكلات العالمية التي ستواجه الإنسانية. تنبأوا بالسلام فجاءت الحرب. ولم يضعوا حتى الآن خطة قادرة على شفاء نزاعات الأمم، ولا يملكون سلطة لإلزام المتمردين، ولا قائداً يستطيع أن يوحد الأمم في الطريق الوحيد الذي يحل مشكلاتها.

وبذلك تغلب عليهم روح اليأس.

أما كتبة الكتاب المقدس، بحسب هذا الكتيب، فقد سبق أن وصفوا ضيقاً وحيرة وخوفاً على نطاق عالمي، وأعلنوا أن لله قصداً مع الأرض والجنس البشري. ووصفوا، أولاً في النبوات قبل المسيح، ثم في أناجيل العهد الجديد، الشخص الذي اختاره الله ليأخذ حكم العالم باسمه.

ويظهر هذا الشخص باعتباره الحاكم المثالي، والمزود بالقوة اللازمة لمواجهة مشكلات البشرية.

كيف أمكن أن تأتي هذه الصورة قبل قرون طويلة ثم تبدو، في رأي الكاتب، مناسبة لمشكلات العصر الحديث؟ يجيب: لا يستطيع البشر وحدهم أن يعرفوا ذلك مسبقاً. لكن إذا كان الله وراء الكتاب، وإذا كتب الأنبياء والرسل كلمته، كما قالوا، يصبح الأمر مفهوماً.

ومن هنا يصل إلى النتيجة التي يريد الكتيب أن يتركها مع القارئ: لا يوجد كتاب آخر مثل الكتاب المقدس، وهو يستحق منا دراسة جادة ومخلصة.

«وماذا عني أنا؟»

قد يقول القارئ: لقد تكلمتم كثيراً عن الأمم والعالم، لكن ماذا عني أنا؟

وهذا سؤال معقول. فالإنسان مهتم بحق بما سيحدث له شخصياً.

والكتاب المقدس، بحسب الكاتب، واضح عن مستقبل الفرد كما هو واضح عن مستقبل العالم. فهو يحلل حالة الإنسان، ويشرح أصل الشرور التي تصيب البشر، ويبين كيف يمكن للإنسان أن يرتب حياته في خدمة الله، ويكشف الرجاء الذي يمكن أن يناله في الملكوت الذي سيقيمه المسيح.

وهذه موضوعات واسعة لا يمكن شرحها كلها في كتيب قصير، لكنها تستحق دراسة مستقلة.

وفي الوقت نفسه يقدم الكاتب فكرة مشجعة: الله كان دائماً مهتماً بالرجل أو المرأة الذي يأخذ كلمته بجدية.

ويقتبس من إشعياء 66، حيث يقول الله إنه خالق السماوات والأرض، ومع ذلك يعلن:

«وإلى هذا أنظر: إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي» (إشعياء 66:1-2).

ولا يزال المبدأ نفسه قائماً، بحسب الكتيب. فالله يُظهر نعمته للذين يدركون ضعفهم ونقصهم ويقتربون من كلمته بتواضع وتوقير.

والمعجزة، كما يقول الكاتب، أن كلمات الله ما زالت متاحة لنا وسط ارتباك هذا العالم. لذلك يدعونا إلى أن نعطيها انتباهنا ما دام الوقت موجوداً.

وكما قال يسوع لتلاميذه: «الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة» (يوحنا 6:63).

— فريد بيرس

أُعيد نشر هذا الكتيب بإذن كريم من The Christadelphian Magazine and Publishing Association Ltd (UK)، التي تحتفظ بجميع الحقوق. يجوز تنزيل هذه الصفحة أو طباعتها للاستعمال الشخصي، أما أي إعادة نشر أخرى فتحتاج إلى إذن.

Literature type